محمد جمال الدين القاسمي
296
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
به ، ثم قوله : قائِماً بِالْقِسْطِ وهو التنزيه . فطال الكلام بذلك فجدد التوحيد تلو التنزيه ، ليلي قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ . ولولا هذا التجديد لكان التوحيد المتقدم . كالمنقطع في الفهم مما أريد إيصاله به . واللّه أعلم . لطيفة : قال الرازيّ : فإن قيل : المدعي للوحدانية هو اللّه ، فكيف يكون المدعي شاهدا ؟ الجواب : من وجوه : الأول : وهو أن الشاهد الحقيقيّ ليس إلا اللّه ، وذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده ، ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة . ثم بعد نصب تلك الدلائل ، هو الذي وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل ، ولولا تلك الدلائل التي نصبها اللّه تعالى وهدى إليها لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة الوحدانية ، ثم بعد حصول العلم بالوحدانية ، فهو تعالى وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى معرفة التوحيد . وإذا كان الأمر كذلك ، كان الشاهد على الوحدانية ليس إلا اللّه وحده ، ولهذا قال : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ [ الأنعام : 19 ] - ثم ساق بقية الوجوه فانظره . وقال العارف الشعرانيّ ، قدس سره ، في كتاب ( الجواهر والدرر ) : سألت أخي أفضل الدين : لم شهد الحق تعالى لنفسه بأنه لا إله إلا هو ؟ فقال رضي اللّه عنه : لينبه عباده على غناه عن توحيدهم له ، وأنه هو الموحد نفسه . بنفسه . فقلت له : فلم عطف الملائكة على نفسه دون غيرهم ؟ فقال : لأن علمهم بالتوحيد لم يكن حاصلا من النظر في الأدلة كالبشر ، وإنما كان علمهم بذلك حاصلا من التجلي الإلهيّ ، وذلك أقوى العلوم وأصدقها ، فلذلك قدموا في الذكر على أولي العلم . وأيضا فإن الملائكة واسطة بين الحق وبين رسله ، فناسب ذكرهم في الوسط ، فاعلم ذلك ، انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 19 ] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 ) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى ، أي لا دين مرضيا للّه تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد والتدرع بالشريعة الشريفة - قاله أبو